محمد جواد مغنية
123
في ظلال نهج البلاغة
محمد وعلي : تقدم نظير هذا الوصف في الخطبة 71 ، وحين يتكلم الإمام عن الرسول فإنه يقول عن حس وعيان ، فلقد خالطه ولازمه حوالي ثلاثين عاما في حله وترحاله ، وسلمه وحربه . . هذا ، إلى قوة دينه وإيمانه ، ورسوخ تصديقه ويقينه باللَّه ورسوله . . نشأ علي في بيت محمد ، الذي كان يسهر على تهذيبه وتربيته بروحه وشمائله ، وكان الإمام يسمع له ويطيع ، ويحبه أكثر من أمه وأبيه ، وكان يحدث الغلمان في سنه عن فضل الرسول الأعظم ( ص ) قبل أن ينزل عليه الوحي كما جاء في كتاب « محمد رسول الحرية » لعبد الرحمن الشرقاوي ، ومعنى هذا أن عليا منذ طفولته كان مولعا برسول اللَّه ، وداعية له قبل أن يبعث رحمة للعالمين ، واذن فلا بدع إذا عدّد الإمام وكرر خلال سيد الكونين ومناقبه ، وبالخصوص بعد أن غيّر وجه الأرض ، وظهرت رسالته على الدين كله . . على أن للنبي ( ص ) فضل الهداية على كل من اهتدى ويهتدي بنوره ، ولا يتم دين المسلم إلا إذا كان في جميع أقواله وأفعاله مع نبيه العظيم ، وقدّسه في كل حين . المعنى : ( حتى أورى قبسا لقابس ) أعطى محمد ( ص ) الهداية لكل من ينشدها تماما كالقرآن الكريم الذي وصفه سبحانه بأنه « هدى للمتقين » أي لمن أراد أن يتقي اللَّه حقا وصدقا ، أما المكابر المعاند فلا ينتفع بواعظ وواعظة ( وأنار علما لحابس ) دل التائه الحائر إلى نهج السبيل ( فهو أمينك المأمون ) على وحيك ( وشهيدك يوم الدين ) على خلقك ( وبعيثك نعمة ) كبرى يجب شكرها على عبادك ( ورسولك بالحق رحمة ) للعالمين يحرص على خير الجميع وسعادتهم من غير فرق بين أوليائه وأعدائه . ( اللهم اقسم له مقسما من عدلك ) . وعدل اللَّه كائن لا محالة ، ولكن غرض الإمام من هذا الدعاء مجرد التعظيم لرسول اللَّه ( ص ) مع الإيماء إلى أنه عظيم عند اللَّه بموجب عدله سبحانه الذي أشار اليه بقوله ، جل من قائل : « فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره » فكيف بمن أخرج الناس من الظلمات إلى النور ( واجزه مضاعفات الخير من فضلك ) ضاعف اللهم الأجر لنبيك الكريم أضعافا